في دور النشر الألمانية والأنغلو-ساكسونية، يعني فتح كتاب للأطفال التعرف على الشخص الذي كتبه؛ إذ ستجد دائمًا تقريبًا -سواء على الطية الداخلية للغلاف أو الغلاف الخلفي أو موقع الناشر الإلكتروني- سيرة ذاتية مفصلة تتناول طفولة المؤلف، وما قاده إلى الكتابة، والمؤثرات التي شكلت مساره، وعلاقته بالكتب وبالأطفال. هنا، يمثل المؤلف حضورًا وصوتًا وشخصيةً يمكن الوثوق بها.
أما في فرنسا، فالتقليد مختلف؛ إذ غالبًا ما يطغى العمل الأدبي على مبدعه، وهو إرث لثقافة أدبية عريقة تؤمن بأن النص يجب أن يعبر عن نفسه بنفسه. لذا، يميل المؤلفون إلى التحفظ، وتُخصص مساحة الغلاف الخلفي لملخص العمل لا للسيرة الذاتية للمؤلف.
وفي المغرب، ورث قطاع نشر كتب الأطفال هذا النهج الفرنسي بطبيعة الحال، لكنه اقترن بتحديات محلية خاصة: قطاع لا يزال في طور النمو، ودور نشر ذات موارد محدودة، ونزعة للنظر إلى كتب الأطفال باعتبارها أدوات تعليمية أكثر من كونها أعمالاً أدبية قائمة بذاتها. والنتيجة هي أن المؤلفين الذين يكتبون لأطفالنا يظلون غالبًا غرباء تمامًا عنا.
ونحن في كتب أغافاي نرى أن هذا يمثل فرصة ضائعة، ونعتزم تغيير هذا الواقع.
إن هوية من يكتب لأطفالنا ليست مسألة ثانوية؛ فالمؤلف يضفي على العمل رؤية خاصة للعالم، وحساسية معينة، وتاريخًا شخصيًا يتغلغل في كل كلمة وكل قصة.
إن معرفة أن المؤلفة نشأت بين ثقافتين، أو أنها اختارت اسمًا مستعارًا تكريمًا لبلد صاغ شخصيتها، أو أن قصصها نبعت من تجربة ذاتية عميقة مع العالم… كل هذا يغير طريقتنا في قراءة الكتاب وتلقيه ومشاركته مع الطفل. فالمؤلف ليس منفصلاً عن العمل، بل هو روحه وجوهره.
وينطبق الأمر ذاته على الرسام (المصور الفني للكتاب)، الذي يظل -مع ذلك- أكثر خفاءً من المؤلف. ففي كتب الأطفال، لا تُعد الرسوم مجرد زينة أو زخرفة، بل هي لغة قائمة بذاتها. إذ يقدم الرسام عالماً متكاملاً، ولوحة ألوان، وعالمًا عاطفيًا يستوعبه الطفل حتى قبل أن يتعلم القراءة. فطريقة رسم عيني الشخصية، واختيار ألوان المشهد الطبيعي، وحيوية الخطوط… كلها قرارات فنية تشكل شعور الطفل وانطباعاته داخل القصة. إن معرفة من أبدع هذه الصور، وما ألهمهم، وكيف كانت طفولتهم، لا تقل أهمية عن معرفة من كتب الكلمات.
ولهذا السبب، تلتزم دار كتب أغافاي بمنح مؤلفيها ورساميها مكانةً بارزة وواضحة؛ لتسليط الضوء على رحلاتهم، ومصادر إلهامهم، وذكريات طفولتهم، وخياراتهم الإبداعية. ومن خلال هذه المدونة، سنشارككم صوراً شخصية، ومقابلات، وقصصاً تكشف كواليس العملية الإبداعية؛ لأننا نؤمن بأن الآباء والمعلمين والأطفال يستحقون معرفة هوية من يضعون ثقتهم فيه عند فتح الكتاب.
يزخر أدب الطفل المغربي بأصوات قوية ومواهب بصرية استثنائية، وقد حان الوقت لنمنحهم وجهاً يُعرفون به.
