ثمة نافذة زمنية؛ تفتح عند الولادة وتبدأ – ببطء ودون أن نلحظ ذلك – في الانغلاق عند بلوغ الطفل سن الخامسة. وخلال تلك السنوات الأولى – التي قد تبدو من الخارج مجرد قيلولات وخطوات أولى وتعلمٍ لكيفية الإمساك بالملعقة – يحدث أمرٌ استثنائي داخل دماغ الطفل؛ أمرٌ سيُشكّل هويته كقارئ، ومفكر، وإنسان، لبقية حياته.
إن ما يحدث في تلك السنوات الخمس يحمل أهمية تفوق ما يدركه معظمنا، وتُعد الكتب جوهر هذا الأمر برمته.
دماغٌ قيد البناء
في السنوات الخمس الأولى من العمر، ينمو دماغ الطفل بوتيرة أسرع من أي مرحلة أخرى في حياته. فمنذ الولادة، يبدأ الدماغ بإنتاج الخلايا العصبية بمعدل مذهل. لكن الخلايا العصبية وحدها لا تكفي؛ فالمهم هو الروابط التي تنشأ بينها، وتلك الشبكة المعقدة من المسارات التي تسمح بانتقال المعلومات، وتشكل الأفكار، وتجذّر اللغة. وتُبنى هذه الروابط – حرفياً – من خلال التجربة والخبرة؛ عبر اللمس، والصوت، والمحادثة، والقصص.
في كل مرة يقرأ فيها أحد الوالدين بصوت عالٍ لطفل صغير، يحدث تغير ملموس داخل الدماغ؛ إذ تنشط المسارات العصبية وتزداد قوتها، وتُضاء مراكز اللغة.
فالطفل لا يكتفي بسماع قصة فحسب، بل يبني البنية الأساسية التي ستمكنه – بعد سنوات – من القراءة باستقلالية، والتفكير النقدي، والتخيل الخصب، والشعور بعمق. فالكتاب ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل هو مادة للبناء.
اللغة قبل النطق باللغة
قبل وقت طويل من نطق الطفل بكلمته الأولى، يكون منشغلاً باستيعاب اللغة بنهم ودقة لا يضاهيهما أي متعلم بالغ. إنهم يربطون الأصوات بالمعاني، والإيقاعات بالمشاعر، والكلمات بالعالم المحيط بهم. فالطفل الذي يُقرأ له منذ الولادة يصل إلى المدرسة بحصيلة لغوية قد تفوق بمرتين أو ثلاث أو حتى أربع مرات حصيلة طفل لم يحظَ بتلك التجربة. والحصيلة اللغوية لا تقتصر على الكلمات فحسب، بل تتعلق بالقدرة على التفكير؛ فنحن نفكر عبر اللغة، وثراء عالمنا الداخلي لا ينفصل عن ثراء الكلمات المتاحة لنا.
تُعد القراءة للطفل في تلك السنوات الخمس الأولى واحدة من أقوى الهدايا الفكرية التي يمكن للوالدين تقديمها؛ ليس لأنها درسٌ تعليمي، ولا لأنها مجرد تمرين. ذلك لأنها تغمر عقل الطفل النامي باللغة في اللحظة التي يكون فيها هذا العقل في أقصى درجات التوق والقدرة المذهلة على استيعابها.
الأساس العاطفي
لكن السنوات الخمس الأولى لا تقتصر على اللغة والإدراك فحسب؛ بل تتعلق بأمر لا يقل أهمية: العلاقة العاطفية التي يبنيها الطفل مع الكتب ومع القراءة بحد ذاتها.
فالطفل الذي يربط الكتب -منذ بواكير ذكرياته- بمشاعر الدفء (صوت الوالدين، والشعور بالاحتضان والأمان والقرب، والسحر الخاص لانكشاف أحداث القصة)، يحمل هذا الارتباط معه طوال حياته. وتصبح القراءة -على المستويين العصبي والعاطفي- مصدراً للراحة والمتعة، وشيئاً يلجأ إليه الطفل بالفطرة، وشيئاً يمنحه شعوراً بالألفة والسكينة وكأنه في بيته.
وفي المقابل، فإن الطفل الذي يلتحق بالمدرسة دون أن تُقرأ له أي قصة من قبل، والذي يتعرف على الكتب لأول مرة بوصفها أدوات للتقييم والواجبات المفروضة، يتلقى درساً مختلفاً تماماً؛ إذ يتعلم أن القراءة “عمل” شاق، وأن الكتب “مطلب” وليست “هدية”. وهذا الدرس، بمجرد ترسيخه في الذهن، يصبح من الصعب للغاية محوه أو تغييره.
إن حب القراءة -أو غيابه- يتشكل في تلك السنوات الخمس الأولى؛ ليس في الفصل الدراسي، بل في المنزل. في لحظات الهدوء التي تسبق النوم، حيث يجتمع الكتاب والصوت وطفلٌ يُنصت بكل جوارحه.
ما يعنيه هذا بالنسبة للمغرب
لطالما كان التقليد الشفهي في المغرب الوسيلة الأساسية لنقل القصص من جيل إلى جيل. فالجدات اللواتي يروين الحكايات على ضوء النار، والآباء الذين يسردون القصص العظيمة من التاريخ الإسلامي، وإيقاعات الشعر العربي التي تُحفظ وتُلقى منذ الطفولة… كل هذا يعكس ثقافة أدركت بالفطرة قوة الكلمة المنطوقة والمسموعة بالنسبة للطفل.
وتكمن التحدي اليوم في نقل هذا الفهم إلى عالم الكتاب المكتوب؛ ومساعدة الأسر المغربية على إدراك أن القراءة بصوت عالٍ ليست عادة دخيلة مستوردة من الخارج، بل هي امتداد طبيعي ومتصل بأعمق تقاليدهم في سرد الحكايات ونقل الموروث. فالجدة التي تقص حكاية على حفيدها، والوالد الذي يقرأ كتاباً مصوراً قبل النوم، يقومان بالفعل ذاته: تغذية عقل الطفل وروحه في اللحظة التي يكون فيها أكثر انفتاحاً وتوقاً وحيوية وتفاعلاً مع العالم.
لا يوجد وقت مبكر جداً للبدء، ولا يوجد فعل بسيط لدرجة الاستهانة به.
قد يتردد الآباء أحياناً؛ إذ يساورهم القلق من أن الرضيع أصغر من أن يستوعب، أو أن الطفل الدارج (في مرحلة المشي) مشتت الانتباه لدرجة تعيقه عن الإصغاء، أو أن الكتب المتاحة بسيطة للغاية ولا تستحق العناء. لكن أياً من هذه المخاوف ليس صحيحاً. فالرضيع -الذي يبلغ من العمر ثلاثة أشهر- حين يستمع إلى صوت والديه بينما يتأمل الألوان على صفحات الكتاب، يكون قد بدأ بالفعل في اكتساب اللغة، وبناء علاقة عاطفية مع الكتب، واستهلال تلك الرحلة الطويلة والجميلة نحو القراءة.
لا توجد لحظة غير مهمة، ولا كتاب بسيط أكثر من اللازم، ولا طفل صغير جداً على القراءة.
في دار كتب أغافاي، نضع تلك السنوات الخمس الأولى نصب أعيننا في كل ما نبتكره؛ فكتبنا الموجهة لأصغر القراء ليست مجرد نسخ مختصرة من كتب الأطفال الأكبر سناً، بل هي أعمال أُبدع في تصميمها بعناية فائقة لتلائم لحظة استثنائية ومحددة في حياة الإنسان؛ لحظة لن تتكرر أبداً، وتحمل في طياتها أثراً يدوم إلى الأبد.
لأن ما يختبره الطفل في تلك السنوات الخمس الأولى لا يقتصر أثره على تشكيل القارئ الذي سيصبح عليه مستقبلاً، بل يصيغ شخصيته وهويته كإنسان.
وهذا هو جوهر الأمر برمته.
