قبل أن يتمكن الطفل من قراءة كلمة واحدة، يكون بمقدوره قراءة الصورة. وقبل وقت طويل من تحول اللغة إلى أداة يستخدمها الطفل بثقة، تكون الصور قد أدت بالفعل دوراً استثنائياً؛ إذ تشكّل فهمه للعالم، ومشاعره تجاه ما يحيط به، وما يراه جميلاً، وما يتعلم ملاحظته. وغالباً ما يكون أول لقاء للطفل مع الفن من خلال كتاب، ومع ذلك، نادراً ما نتوقف للتفكير في مغزى ذلك.
عادةً ما نتحدث عن كتب الأطفال من حيث قصصها وقيمها ومحتواها التعليمي. فنحن نتساءل عما إذا كانت الرسالة ملائمة، والمفردات مناسبة، والمواضيع مُثرية. وكل هذا مهم بالطبع. لكن الرسوم التوضيحية — ذلك الفن الذي يملأ كل صفحة، والذي تتجول عليه عينا الطفل مئات المرات قبل أن يتمكن حتى من إمساك قلم الرصاص — غالباً ما نتعامل معه باعتباره أمراً ثانوياً؛ مجرد زينة أو غلاف يحيط بالمحتوى الحقيقي.
وهذا فهم خاطئ وعميق للدور الحقيقي الذي تؤديه الرسوم التوضيحية.
التعليم الفني الأول للطفل
يُعد كل كتاب مصوّر للأطفال — سواء قصدنا ذلك أم لا — بمثابة درس في الفن. فالألوان التي يختارها الرسام، والخطوط التي يرسمها، وتكوين كل صفحة، وطريقة معالجة الضوء والظل، والأسلوب الفني (سواء كان واقعياً أو تجريدياً أو فطرياً أو هندسياً)؛ كل هذا يدخل في القاموس البصري للطفل قبل وقت طويل من امتلاكه كلمات للتعبير عن أي من ذلك. فالطفل الذي ينشأ مع كتب ذات رسوم جميلة يكتسب حساً بصرياً مميزاً؛ إذ يتعلم — دون تلقين مباشر — ملاحظة التكوين الفني، واستشعار الأثر العاطفي للألوان، وإدراك أن الصور تحمل في طياتها معانيَ ودلالات. وعندما يكبرون، يصبحون أشخاصاً يتمتعون بوعي بصري، وقادرين على التفاعل مع الفن والتصميم والعالم البصري المحيط بهم بثقة وحس مرهف.
أما الطفل الذي ينشأ مع رسوم رديئة أو متسرعة أو نمطية، فإنه يتعلم شيئاً أيضاً؛ إذ يتعلم أن الصور ليست ذات أهمية كبيرة، وأن اللغة البصرية مجرد حشو، وأن الجمال ليس أمراً يستحق السعي وراءه بعناية. هذه دروس لم نكن لنفكر أبداً في تعليمها بشكل صريح، ومع ذلك فإننا نعلمها ضمنياً في كل مرة نضع فيها كتاباً برسوم رديئة بين يدي طفل.
اللون لغة
قبل وقت طويل من استيعاب الطفل للسرد القصصي، يكون قادراً على فهم الألوان؛ فالألوان الدافئة، كالبرتقالي والذهبي، تمنحه شعوراً بالأمان والاحتواء. تُثير درجات الأزرق والرمادي الباردة شعوراً بعدم الارتياح أو الكآبة، بينما تبعث الألوان الزاهية والمشبعة على البهجة والحيوية. أما لوحة الألوان الهادئة والمستوحاة من الطبيعة (الألوان الترابية)، فتُضفي طابعاً من العمق والحميمية وعبق التاريخ القديم. يوظّف الرسام المبدع الألوان تماماً كما يوظّف المؤلف الموسيقي النغمات؛ لتوجيه التجربة العاطفية للقارئ عبر أحداث القصة، وللتعبير عما تعجز الكلمات عن قوله، ولخلق أجواءٍ لا يمكن للنص وحده أن يجسّدها.
وفي السياق المغربي، يكتسب هذا البعد ثراءً استثنائياً؛ إذ توفر الثقافة البصرية للمغرب — بما تزخر به من فن “الزليج”، والمنسوجات، والعمارة، والمناظر الطبيعية، وجودة الضوء الفريدة — للرسامين لوحة ألوان ولغة بصرية تتسم بعمق وجمال أخّاذين. إن كتاب الأطفال الذي يستلهم هذا التراث البصري لا يكتفي بسرد قصة فحسب، بل يُعرّف الطفل بتقاليده الجمالية الخاصة، ويُشعره بأن هذا الجمال ملكٌ له، وأنه كان كذلك على الدوام.
الرسام شريكاً في التأليف
ثمة اعتقاد شائع ومغلوط مفاده أن المؤلف هو من يبتكر القصة في كتب الأطفال، بينما يقتصر دور الرسام على تزيينها. لكن الواقع يشير إلى علاقة أكثر تعقيداً وتكافؤاً؛ فالرسام المبدع لا يكتفي بمتابعة النص، بل يتفاعل معه ويقدم تفسيراً خاصاً له، وقد يقلب دلالاته أحياناً ليضيف طبقات جديدة تماماً من المعنى. إنهم يتخذون قرارات لم يحددها المؤلف: كيف تبدو الشخصية الرئيسية؟ في أي وقت من اليوم تدور الأحداث؟ ما الذي يجري في الخلفية مما لم يذكره النص؟ وما الذي تكشفه تعابير وجه الشخصية عن مشاعر لم تفصح عنها الكلمات؟
ليست هذه قرارات تجميلية، بل هي قرارات سردية؛ فهي تشكّل تجربة الطفل مع القصة بعمق يضاهي تأثير الكلمات ذاتها. فالطفل الذي يطالع كتاباً مصوّراً لا يقرأ قصة المؤلف فحسب، بل يقرأ أيضاً تفسير الرسام لتلك القصة. إنه يمسك بين يديه رؤيتين إبداعيتين في آن واحد، وفي المساحة الفاصلة بين هاتين الرؤيتين يكمن السحر.
ما ندين به لأطفالنا
إذا أقررنا بأن التربية البصرية للطفل تبدأ من الكتب، فعلينا أن نتحمل المسؤولية المترتبة على ذلك؛ فالرسوم التي نضعها في كتب الأطفال ليست مجرد عناصر عابرة أو تكميلية، بل هي عناصر ذات أثر تكويني؛ إذ ستُشكّل نظرة جيل كامل من الأطفال إلى الألوان، والتكوين الفني، والجمال، والعالم البصري من حولهم. سيُظهر لهم ذلك -بشكل ضمني ولكن بليغ- كيف تبدو ثقافتهم حين تُصوَّر بعناية وبراعة فنية، أو سيُخبرهم بأن ثقافتهم تفتقر إلى لغة بصرية تستحق الاحتفاء بها.
في دار كتب أغافاي، لا تُعد الرسوم التوضيحية أبداً أمراً ثانوياً؛ فنحن نختار رسامينا بنفس القدر من الدقة والعناية التي نختار بها مؤلفينا، إيماناً منا بأن الفن الذي ينشأ الطفل المغربي في كنفه يحمل أهمية بالغة. إننا نطمح لأن تكون كل صفحة في كل كتاب ننشره مشهداً يشدّ أنظار الطفل ويستبقيها طويلاً؛ عملاً فنياً يكافئ من يتأمله، وشيئاً يتسم بالجمال في أبهى صوره وأكمل معانيه.
فالجمال ليس ترفاً، بل هو بالنسبة للطفل ضرورة، وهو أحد أعظم الهدايا التي يمكن للكتاب أن يمنحها.
