اسأل شخصاً بالغاً عن الكتب التي طبعت طفولته، وستلاحظ أمراً لافتاً؛ إذ تتغير نظرة عينيه وتكتسي ملامحه بمسحة من الرقة واللين. إنهم لا يتذكرون القصة فحسب، بل يتذكرون المكان الذي كانوا يجلسون فيه أثناء قراءتها، ورائحة الصفحات، وذلك الشعور الذي تركته في صدورهم لأيام تلت القراءة. فالكتاب العظيم الموجه للأطفال لا يمر عابراً في حياة الطفل، بل يصبح جزءاً من كيانه وهويته.
ولكن، ما الذي يمنح كتاب الأطفال هذه العظمة الحقيقية؟ وما الذي يميز الكتاب الذي يُقرأ لمجرد القراءة عن ذلك الكتاب الذي لا يُنسى أبداً؟
إنه يقول الحقيقة
لا تتعالى أعظم كتب الأطفال على قرائها، ولا تحاول تغليف العالم بطبقة واقية ناعمة أو التظاهر بأن الحياة خالية من الصعوبات أو المخاوف أو الأحزان. فالأطفال يتمتعون بحدس مرهف وقدرة فائقة على الإدراك؛ إذ يشعرون متى يُخدعون، ومتى تكون القصة مثالية أكثر من اللازم، أو آمنة للغاية، أو بعيدة كل البعد عن التعقيدات التي يشعرون بها في دواخلهم. أما الكتاب العظيم، فيحترم هذا التعقيد؛ إذ يطرح الحقيقة حول الوحدة والشجاعة والفقد والحب، مستخدماً لغةً سهلة ومفهومة دون أدنى شعور بالاستعلاء، كما أنه يمنح الطفل ثقةً كاملة.
إنه يخلق عالماً يمكن للطفل دخوله
الكتاب العظيم للأطفال ليس مجرد قصة تقرؤها، بل هو مكان تسكنه وتعيش فيه. فالتفاصيل دقيقة للغاية، والأجواء مصاغة بعناية فائقة، لدرجة أن الطفل لا يكتفي بمراقبة القصة من الخارج، بل يعبر من خلال الصفحة ليعيش في قلب أحداثها؛ فيشم رائحة السوق، ويشعر بحرارة الشمس، ويسمع صوت الشخصية بوضوح تام وكأنها تقف بجواره. ولعل هذه الميزة —أي القدرة على استحضار عالم متكامل يتيح للقارئ الانغماس فيه والضياع بين ثناياه— هي أندر وأثمن هبة يمكن أن يمتلكها مؤلف كتب الأطفال.
إنه يحمل في طياته ما لن يدرك الطفل كنهه تماماً إلا لاحقاً
تعمل أفضل كتب الأطفال على مستويين في آن واحد؛ فعلى السطح، تقدم مغامرة وشخصية وعالماً يستحق الاستكشاف، ولكن في العمق، تحمل شيئاً أعمق بكثير: حقيقةً عن الطبيعة البشرية، أو تساؤلاً حول هويتنا وكيفية تعاملنا مع بعضنا البعض، أو فكرةً ثورية هادئة عن العالم. وهكذا، يتشرب الطفل هذه الطبقة العميقة دون أن يكون بالضرورة واعياً بوجودها. بعد سنوات، وعندما يكبرون، يعودون إلى الكتاب ويدركون فجأة ما كان يرمي إليه حقاً طوال ذلك الوقت. إن هذا الإدراك المتأخر هو السمة المميزة للكتاب الذي لم يُكتب للطفل الذي كانه القارئ فحسب، بل للبالغ الذي سيصبح عليه لاحقاً.
يتميز بصوت ينبض بالحياة بوضوح لا لبس فيه
تتمتع كتب الأطفال العظيمة بإيقاع ونغمة موسيقية وشخصية فريدة تتجلى على صفحاتها، وهي سمات يستحيل تصنّعها. فمنذ الجملة الأولى، تشعر بأن إنساناً حقيقياً يمتلك وجهة نظر صادقة يخاطبك؛ لا لجنة، ولا صيغة نمطية، ولا قائمة أهداف تعليمية، بل شخص يتمتع بالدفء وروح الدعابة والسمات الفريدة. تلك الحيوية التي تنبض بها الصفحات هي ما يدفع الطفل إلى الرغبة في قلب الصفحة التالية، ثم التي تليها، وهكذا دواليك.
تتحدث رسومه التوضيحية بلغة خاصة بها
في كتب الأطفال، لا تُعد الرسوم مجرد زينة أو زخرفة؛ بل هي قصة موازية، ونص ثانٍ يسير جنباً إلى جنب مع الكلمات؛ فهي أحياناً تؤكد ما كتبه المؤلف، وأحياناً أخرى تناقضه بهدوء، مضيفةً طبقات من المعنى تعجز الكلمات وحدها عن حملها. إن الرسام المبدع لا يكتفي برسم القصة، بل يتقمصها ويفسرها ويحولها إلى عمل يتجاوز ما كان يمكن للكلمات أو الصور تحقيقه بمفردها. وعندما يتحقق الانسجام التام بين النص والرسوم، تكون النتيجة أشبه بالسحر؛ إذ ينبثق عن هذا المزيج شيء أعظم بكثير من مجرد مجموع أجزائه.
يشعر الطفل بأنه ليس وحيداً
ولعل أهم ما يميز كتاب الأطفال العظيم حقاً هو ذلك الأثر الإنساني العميق؛ إذ يمد الكتاب يده عبر الصفحات ليقول -بهدوء ولكن بوضوح تام-: “أنا أعرف ما تشعر به، ولست وحدك في ذلك”. إنه يأخذ تلك المشاعر الخاصة وغير المُعبَّر عنها التي تسكن داخل كل طفل -كالخوف من عدم الانتماء، والتوق إلى أن يفهمه الآخرون، والدهشة أمام غرابة العالم- ويمنحها شكلاً وكلماتٍ وموطناً. وبذلك، يؤدي الكتاب واحداً من أهم الأدوار التي يمكن للأدب أن يضطلع بها: جعل الطفل يشعر بأنه مرئي ومفهوم.
في دار كتب أغافاي، نلتزم بهذه المعايير في كل كتاب ننشره؛ فنحن لا نسعى فقط لتقديم كتب تُعلّم أو تُسلّي أو تسد فجوة في السوق -رغم أننا نأمل تحقيق كل ذلك- بل نسعى لما هو أعمق من ذلك. بل هي كتبٌ سيحملها الطفل المغربي معه طوال حياته؛ كتبٌ ستعاود الظهور في ذاكرته في لحظاتٍ غير متوقعة -بعد سنواتٍ من الآن- محتفظةً بكامل ألقها وتأثيرها الأصلي.
ذلك أن الكتاب الذي يحبه الطفل بصدق ليس مجرد مقتنًى، بل هو رفيقٌ مدى الحياة.
